الامتثال التام لأمر الله ورسوله هو حقيقة العبودية

هو حقيقة العبودية

الحمد لله ربِّ العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، أما بعد:

فإنه مما يسرّ ويُفرح وجود تلك الظاهرة التي أصبح المرء يشاهدها في بلاد الإسلام، وهي اتجاه الناس -خاصة الشباب منهم- نحو عبادة الله والتزام دينه؛ فهذه الظاهرة الصحية التي تفشّت في مجتمعاتنا من إقدام الشباب المثقف على دراسة دينه والدعوة إليه تُدخِل إلى النفس البهجة.

ولما كانت الكتابات التي دُوِّنَتْ حول الإسلام عقيدة وشريعة في العصور المظلمة اختلط فيها الحق بالباطل ودخلها خلطٌ كثير، حيث إن موضوع إصلاح العقيدة وتنقيتها مما شِيبَتْ به أمرٌ أكثر من ضروري؛ رأيت لزامًا عليّ المبادرة إلى طرح بعض قضايا الاعتقاد ومناقشتها، وأول هذه القضايا موضوع العبادة، فالعبادة تعني أقصى أنواع الخضوع والتذلل، ولا يستحقها بهذا الوصف سوى الله تبارك وتعالى.

ولقد شاع بين الكثير من أن العبادة هي الصلاة والصيام والحج، وساعد في هذا الفهم الخاطئ ما يشاهد في كتب الفقه من أبواب العبادة، فظنوا أن العبادة حُصرت في هذا.

والحق أن العبادة أشمل من ذلك كله؛ فهي غاية الوجود الإنساني، فلم يخلق الله الإنسان إلا لعبادته ﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦، ٥٧].

فلا تكتمل رسالة الإنسان على الأرض إلا إذا حقق العبودية التامة لله رب العالمين، فعلى هذا تكون العبادة تشمل الدين كله، بل الرسل كلهم ما جاءوا إلا ليحققوا العبادة ويحوّلوا الناس من عبادة بعضهم البعض إلى عبادة الله تعالى.

من أُسس العبادة أن التوحيد هو إفراد الخالق وحده بكل أنواع العبادة، وقد أدرك الكفار هذا المعنى لمهمة الرسل فقالوا: ﴿أَجَعَلَ ٱلْآلِهَةَ إِلـٰهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥]، وما العبادة إلا امتثال لما أمر الله والعمل به بقلب راضٍ راغب، فليس بعابد من فعل الطاعة وهو كارهٌ لربه لأنه أمره بذلك.

والعبادة تكون اعتقادًا في القلب وهو الأساس؛ فإن القلب إذا صلح صلح الباقي، ومضمون هذا الاعتقاد أن يُوقن الإنسان بعظمة خالقه وقدرته، فيقصد هذا الخالق بالدعاء والرغبة والرهبة والتوكل، ولا يكتمل هذا حتى يلفظ بلسانه وتظهر على جوارحه أعمال الإيمان، وإلا كان كاذبًا في ادعائه.

ومن العبادة:

  • فعل ما أمر الله به من صلاة وصيام وحج وجميع أعمال الخير والطاعة.
  • النذر والذبح، فإنه لا يكون إلا لله؛ فقد لعن رسول الله ﷺ من نذر وذبح لغير الله.
  • الدعاء فإنه هو العبادة، كما صح ذلك عن الرسول ﷺ.

فالعبادة تشمل إذًا جميع أنواع القُرُبات إلى الله تعالى، وكذلك اجتناب النواهي، فمن ترك شرب الخمر كان عابدًا لله بهذا الترك.

واعلم أن الله تعالى بعث الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- من أولهم إلى آخرهم يُرشدون العباد إلى عبادة الله وحده، ولذلك قال الكفار: ﴿أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ ٱللَّهَ وَحْدَهُ﴾ [الأعرَاف: ٧٠]، وكانت مقالة الأنبياء جميعًا: ﴿ٱعْبُدُوا ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلـٰهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩].

ولذلك وصف الله صفوة خلقه بالعبادة، وهو وصف ثناء ومدح، فقال الله تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ ٱللَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩، ٢٠]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦].

وجعل الله العبادة صفة ملائكته فقال: ﴿وَقَالُوا ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ٱرْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبيَاء: ٢٦-٢٨].

وقال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾ [مريم: ٨٨].

ولقد كان أحسن وصف وَصَفَ رب العزة به رسوله ﷺ هو وصف العبودية ﴿سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١]، وقال: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجنّ: ١٩]، ولقد قرر الرسول ﷺ هذه الحقيقة بقوله في الحديث الصحيح: «لا تُطْروني -أي: تمدحوني- كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم؛ فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله».

والآيات في ذلك كثيرة، وكلها تدور حول وصف الصالحين بأنهم هم الذين حققوا العبودية التامة لله.

ومن هنا فقد ذمّ الله تعالى المستكبرين عن عبادته وتوعدهم: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غَافر: ٦٠].

هذه أخي بعض الأمور المتعلقة بالعبودية، وأرجو أن أكون قد أوضحت جانبًا منها، وأستودعك الله على أن نلتقي في رحابه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *